يرن هاتف أم في الليل، والمتصل ابنها الذي يدرس في مدينة أخرى، صوته هو نفسه، بنبرته وطريقته في نطق اسمها، يبكي ويقول إنه تعرض لحادث وأن الشرطة احتجزته، وأنه يحتاج إلى مبلغ عاجل يحوله إلى حساب صديقه حتى يخرج، ويرجوها ألا تخبر والده. والأم التي لا تفكر في شيء سوى ابنها تحول المبلغ خلال دقائق، ثم تتصل به بعد ساعة لتطمئن، فيرد عليها من سريره مستغربًا، لم يحدث له شيء، ولم يتصل بها أحد.

هذا السيناريو لم يعد خيالًا، فأدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استنساخ صوت شخص من مقطع قصير منشور على وسائل التواصل، وعلى توليد صور وفيديوهات تبدو حقيقية تمامًا لأشخاص يقولون ويفعلون ما لم يقولوه أو يفعلوه، وهو ما يسمى التزييف العميق (Deepfake). وفي هذا المقال ستتعرف على كيف يحدث هذا النوع من الاحتيال، وعلامات كشف الصور والفيديوهات المزيفة، وكشف الأصوات المستنسخة، وأدوات التحقق وحدودها، ثم خطة عملية لحماية عائلتك، وما تفعله فورًا إذا وقعت أنت أو أحد أفرادها ضحية.

كيف يحدث الاحتيال بالتزييف العميق؟

يعتمد المحتالون في هذا النوع من الاحتيال على حقيقة بسيطة، وهي أن الإنسان يثق في ما يراه ويسمعه، وخاصة في صوت ووجه من يعرفهم ويحبهم. فبعد أن كان المحتال يحتاج إلى مهارة في التمثيل والإقناع، أصبح يستطيع أن يأخذ مقطع فيديو قصيرًا لشخص من حسابه على تيك توك أو سناب شات أو إنستقرام، ويستخدمه لتوليد صوته أو وجهه، ثم يتصل بأقاربه أو زملائه. وأشهر الأنماط التي تستخدم في هذا الاحتيال:

  • مكالمة الطوارئ العائلية: صوت مستنسخ لابن أو أخ أو قريب يدعي أنه في ورطة عاجلة، حادث أو احتجاز أو مرض، ويطلب تحويلًا ماليًا فوريًا، مع تأكيد على السرية وعدم إخبار باقي الأسرة. والضغط العاطفي والاستعجال هما سلاح المحتال الأساسي هنا، لأنهما يمنعان الضحية من التفكير والتحقق.

  • انتحال صفة المدير أو المسؤول: رسالة صوتية أو مكالمة فيديو تبدو من مدير الشركة أو مسؤول مالي، تطلب تحويل مبلغ لصفقة عاجلة أو مشاركة بيانات حساسة. ومن أشهر الحالات الموثقة ما أعلنته شركة الهندسة البريطانية Arup في 2024، إذ حول موظف في مكتبها في هونغ كونغ نحو 25 مليون دولار بعد مكالمة فيديو جماعية ظهر فيها المدير المالي وزملاء آخرون، وكانوا جميعًا مزيفين بالذكاء الاصطناعي.

  • الإعلانات الاستثمارية بوجوه المشاهير: مقاطع مزيفة لشخصيات معروفة أو رجال أعمال أو مذيعين تروج لمنصة استثمار أو تداول تعد بأرباح كبيرة، وتنتشر كإعلانات ممولة على وسائل التواصل. وهذه الإعلانات تستغل ثقة الناس بالشخصية لتقودهم إلى مواقع احتيالية تسرق أموالهم.

  • الابتزاز بالصور المزيفة: تركيب وجه شخص على صور أو مقاطع مسيئة، ثم تهديده بنشرها ما لم يدفع، ويستهدف هذا النوع كثيرًا المراهقين والنساء. والمهم أن يعرف الضحية أن الصورة المزيفة ليست ذنبه، وأن الإبلاغ هو الطريق الصحيح لا الدفع.

علامات تكشف الصور والفيديوهات المزيفة

رغم التطور الكبير في أدوات التزييف، ما زالت كثير من الصور والمقاطع المزيفة تحمل علامات يمكن ملاحظتها إذا نظرت بتمعن، مع العلم أن هذه العلامات تقل مع تحسن الأدوات، وغيابها لا يعني بالضرورة أن المحتوى حقيقي:

  • الوجه وحركته: لاحظ حدود الوجه عند الشعر والأذنين والرقبة، فقد تبدو مشوشة أو غير متناسقة، ولاحظ رمش العينين وحركتهما، وتطابق حركة الشفاه مع الكلام، فالتأخر البسيط بين الصوت وحركة الفم علامة شائعة. كما قد تبدو تعابير الوجه جامدة أو لا تتناسب مع نبرة الكلام.

  • اليدان والتفاصيل الدقيقة: ما زالت بعض أدوات توليد الصور تخطئ في رسم الأصابع وعددها وشكلها، وفي الأسنان والمجوهرات والنظارات. وتظهر كذلك أخطاء في النصوص المكتوبة داخل الصورة، مثل اللافتات والشعارات، فتبدو حروفها مشوهة أو كلماتها بلا معنى.

  • الإضاءة والخلفية: راقب اتساق الإضاءة والظلال بين الشخص والمكان، فقد تأتي الإضاءة على الوجه من اتجاه يختلف عن بقية المشهد. ولاحظ الخلفية، فقد تحتوي على عناصر مشوهة أو أشكال غير منطقية أو أشخاص في الخلفية بملامح غير واضحة.

  • السياق قبل التفاصيل: أهم من كل العلامات البصرية أن تسأل نفسك: هل من المنطقي أن يقول هذا الشخص هذا الكلام؟ وهل المصدر الذي نشره موثوق؟ وهل نشرته الحسابات الرسمية للشخص أو وسائل الإعلام الموثوقة؟ فالإعلان الذي يظهر فيه مسؤول يروج لمنصة استثمار مجهولة مشبوه بطبيعته، مهما بدا حقيقيًا.

الأصوات المستنسخة: كيف تكشف المكالمة المزيفة؟

الصوت المستنسخ أصعب في الكشف من الفيديو المزيف، لأن المكالمة الهاتفية لا تعطيك إلا الصوت، وجودة الهاتف نفسها تخفي كثيرًا من العيوب، والضغط العاطفي يجعلك لا تنتبه للتفاصيل. ولذلك لا تعتمد على أذنك وحدها، لكن هناك علامات قد تثير الشك، مثل صوت يبدو متقطعًا أو آليًا في بعض الكلمات، أو غياب أصوات الخلفية الطبيعية أو وجود خلفية صامتة بشكل غريب، أو تجنب المتصل الإجابة عن أسئلة شخصية محددة، أو ردود تبدو محفوظة ولا تتفاعل مع كلامك بشكل طبيعي.

لكن العلامة الأقوى ليست في الصوت، بل في طبيعة الطلب نفسه، فالمكالمة الاحتيالية تجمع غالبًا بين ثلاثة عناصر: طلب مال أو بيانات حساسة، واستعجال شديد لا يسمح بالتفكير، وطلب السرية وعدم إخبار أحد. فإذا اجتمعت هذه العناصر في مكالمة، فتعامل معها على أنها احتيال حتى يثبت العكس، مهما بدا الصوت مألوفًا.

والقاعدة الذهبية هنا بسيطة: أغلق الخط واتصل بنفسك. أي أغلق المكالمة بهدوء، واتصل بالشخص المعني على رقمه المحفوظ لديك، لا على الرقم الذي اتصل منه، أو اتصل بأحد أفراد الأسرة الذي يمكنه التحقق. فالابن الحقيقي في ورطة سيفهم أنك تحققت، أما المحتال فسيخسر فرصته.

أدوات التحقق: مفيدة لكنها ليست كافية

إلى جانب الملاحظة الشخصية، توجد أدوات تقنية تساعد في التحقق من المحتوى المشكوك فيه، لكن من المهم أن تعرف حدودها:

  • البحث العكسي عن الصور: ارفع الصورة المشكوك فيها أو لقطة من الفيديو إلى أدوات البحث العكسي مثل Google Lens أو TinEye، لتعرف هل نشرت سابقًا في سياق مختلف، أو هل هي مأخوذة من مصدر آخر وعدلت. فكثير من الصور المضللة صور حقيقية قديمة أعيد نشرها بادعاء جديد.

  • بيانات أصل المحتوى: تعمل شركات تقنية كبرى على معايير مثل Content Credentials التي تضيف إلى الصور والمقاطع معلومات عن مصدرها وما إذا كانت مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي، كما تضيف بعض الشركات علامات مائية غير مرئية لمحتواها المولد. لكن هذه المعايير لم تنتشر في كل الأدوات بعد، ويمكن إزالة بعض هذه البيانات، فغيابها لا يثبت أن المحتوى حقيقي.

  • أدوات الكشف الآلي: توجد مواقع وأدوات تزعم أنها تكشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وبعضها مفيد كمؤشر أولي، لكن دقتها متفاوتة، وقد تخطئ في الاتجاهين. فلا تعتمد على نتيجة أداة واحدة كحكم نهائي، خاصة في المحتوى المهم.

  • المصادر الرسمية: أقوى أداة تحقق هي الرجوع إلى المصدر الأصلي، فإذا ظهر مقطع لمسؤول أو جهة رسمية، فابحث عنه في حساباتهم الرسمية الموثقة ومواقعهم الإلكترونية ووسائل الإعلام الموثوقة. فإذا لم تجده هناك، فالأرجح أنه غير صحيح.

خطة حماية العائلة: خطوات تبدأ بها اليوم

الحماية الحقيقية من هذا النوع من الاحتيال لا تحتاج إلى خبرة تقنية، بل إلى اتفاقات عائلية بسيطة ووعي مشترك، وهذه أهم خطوات خطة الحماية:

  • اتفقوا على كلمة سر عائلية: اختاروا كلمة أو عبارة لا يعرفها إلا أفراد الأسرة، ولا تنشر في أي مكان، وتستخدم للتحقق في أي مكالمة طارئة تطلب مالًا أو مساعدة عاجلة. فإذا اتصل شخص بصوت ابنك يطلب مالًا، تسأله عن كلمة السر، والمحتال لن يعرفها مهما كان الصوت متقنًا.

  • تحدثوا عن الموضوع مع كبار السن: الوالدان والأجداد من أكثر الفئات استهدافًا بهذا النوع من الاحتيال، لأنهم قد لا يعرفون أن استنساخ الصوت أصبح ممكنًا. فاشرح لهم الأمر ببساطة وبأمثلة، واتفق معهم على قاعدة واضحة: لا تحويل مالي بناءً على مكالمة، مهما كان المتصل، قبل الاتصال بأحد أفراد الأسرة للتأكد.

  • قللوا المحتوى العام المتاح: راجعوا إعدادات الخصوصية في حسابات التواصل الاجتماعي، واجعلوا الحسابات الشخصية خاصة إن أمكن، وقللوا من نشر المقاطع الصوتية والمرئية الواضحة للوجه والصوت بشكل عام. واحرصوا بشكل خاص على صور الأطفال ومقاطعهم، فلا تنشروها في حسابات عامة.

  • علموا الأبناء والمراهقين: تحدثوا مع الأبناء عن الابتزاز بالصور المزيفة، وأكدوا لهم أنهم إذا تعرضوا لتهديد من هذا النوع فعليهم إخباركم فورًا دون خوف من اللوم، وأن الدفع للمبتز لا ينهي المشكلة بل يزيدها. فالطفل الذي يعرف أنه يستطيع اللجوء إليكم أكثر أمانًا من الطفل الذي يخاف من رد فعلكم.

  • ثبتوا قاعدة التحقق عبر قناة أخرى: اجعلوا من عادة الأسرة والعمل أن أي طلب مالي غير معتاد يجب التحقق منه عبر قناة مختلفة، كأن يأتي الطلب برسالة فتتحققون بمكالمة، أو يأتي بمكالمة فتتحققون باتصال على الرقم المحفوظ أو لقاء شخصي.

إذا وقعت ضحية: ماذا تفعل فورًا؟

إذا حولت مالًا أو شاركت بيانات حساسة قبل أن تكتشف الاحتيال، فالسرعة هنا عامل حاسم، لأن فرص استرداد المال أو الحد من الضرر تقل بمرور الوقت. فأول خطوة أن تتصل بالبنك فورًا عبر رقمه الرسمي، وتبلغ عن العملية الاحتيالية، وتطلب إيقاف البطاقات أو تجميد الحساب أو محاولة إيقاف التحويل، فالبنوك لديها إجراءات للتعامل مع بلاغات الاحتيال، وكلما أبلغت أسرع زادت فرصة التدخل. وإذا لم يتعامل البنك مع بلاغك بالشكل المطلوب، يمكنك تصعيد الشكوى إلى البنك المركزي السعودي عبر قنوات الشكاوى الرسمية.

والخطوة الثانية أن تبلغ الجهات الأمنية، وتتيح المملكة عدة قنوات لذلك، منها تطبيق "كلنا أمن" الذي يتضمن خيار البلاغ عن الجرائم المعلوماتية، وخدمة بلاغات الاحتيال المالي عبر منصة أبشر، كما يمكن الإبلاغ عن الرسائل النصية الاحتيالية بإرسالها إلى الرقم المخصص لذلك من هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية. وتأكد من القنوات وطريقة استخدامها الحالية من المصادر الرسمية لكل جهة.

والخطوة الثالثة أن تحتفظ بكل الأدلة، مثل رقم المتصل، وتسجيل المكالمة إن وجد، ولقطات الشاشة للرسائل، وتفاصيل التحويل ورقم الحساب المحول إليه، لأنها ستفيد في البلاغ والتحقيق. وإذا كنت شاركت كلمات مرور أو رموز تحقق، فغيرها فورًا، وفعّل التحقق الثنائي في حساباتك. ولا تخجل من الإبلاغ، فهذا النوع من الاحتيال مصمم ليخدع أذكى الناس، والإبلاغ يحمي غيرك أيضًا.

الأسئلة الشائعة

كم من الوقت يحتاج المحتال لاستنساخ صوتي؟

تشير تقارير متخصصة إلى أن بعض أدوات الاستنساخ تستطيع إنتاج صوت مقنع من مقطع صوتي قصير جدًا، قد لا يتجاوز ثواني معدودة، وتزداد الجودة كلما كان المقطع أطول وأوضح. ولذلك فإن المقاطع المنشورة على وسائل التواصل قد تكفي، وهذا سبب أهمية كلمة السر العائلية.

هل يمكن أن يقلد المحتال رقم هاتف شخص أعرفه؟

نعم، توجد تقنيات لتزييف رقم المتصل بحيث يظهر على شاشتك رقم معروف، ولذلك لا يكفي أن يظهر اسم ابنك أو رقمه على الشاشة. فأغلق المكالمة واتصل أنت بالرقم المحفوظ لديك.

هل البنوك تتصل بالعملاء لطلب رمز التحقق؟

تؤكد البنوك والبنك المركزي السعودي باستمرار أن البنك لا يطلب من عملائه رموز التحقق أو كلمات المرور أو بيانات البطاقات عبر الهاتف أو الرسائل. فأي اتصال يطلب منك ذلك هو احتيال، حتى لو ادعى أنه من البنك وعرف بعض بياناتك.

ماذا أفعل إذا انتشر مقطع مزيف لي أو لأحد أفراد عائلتي؟

احتفظ بنسخ وأدلة على المقطع وأماكن نشره، وأبلغ المنصات التي نشر عليها لإزالته عبر أدوات البلاغ فيها، وأبلغ الجهات الأمنية المختصة بالجرائم المعلوماتية. ولا تتفاوض مع من يبتزك، واطلب استشارة قانونية إذا لزم الأمر.