في اجتماع صباحي عادي، يعرض مدير القسم على فريقه أداة ذكاء اصطناعي جديدة اشترتها الشركة: تقرأ مئات الفواتير وتدخل بياناتها في النظام خلال دقائق، وتكتب تقرير الأداء الشهري الذي كان يأخذ من أحد الموظفين ثلاثة أيام، وترد على أغلب استفسارات العملاء البسيطة. يصفق الحاضرون بأدب، لكن سؤالًا واحدًا يدور في رأس كل واحد منهم دون أن ينطقه: وماذا عني أنا؟
هذا السؤال يطرحه اليوم ملايين الموظفين حول العالم، وتتراوح الإجابات المنتشرة بين التهويل الذي يبشر بنهاية الوظائف، والتهوين الذي يقول إن شيئًا لن يتغير. والحقيقة التي تكشفها الدراسات والتجارب الفعلية مختلفة عن الاثنين، وفهمها هو أول خطوة في حماية مستقبلك المهني. وفي هذا المقال ستتعرف على الجواب الحقيقي، وما تقوله الأرقام من مصادر موثوقة، وكيف تختبر وظيفتك بنفسك، والوظائف الأكثر عرضة والأكثر نموًا، ثم خطة عملية للتسعين يومًا القادمة، والفرص الخاصة بالسوق السعودي.

الجواب الصادم: الذكاء الاصطناعي لا يأخذ الوظائف بل المهام
الجواب الذي يصدم الطرفين أن الذكاء الاصطناعي في أغلب الحالات لن يأخذ وظيفتك كاملة، لكنه سيأخذ جزءًا من مهامها، وما سيحدد مصيرك هو ما تفعله بالوقت والمساحة التي تتحرر. فكل وظيفة تتكون من مجموعة مهام، بعضها روتيني متكرر يمكن أتمتته، وبعضها يحتاج إلى حكم بشري وعلاقات وتعامل مع مواقف جديدة. والمحاسب مثلًا لا يقضي يومه كله في إدخال البيانات، بل يحلل ويفسر وينصح ويتواصل مع الإدارة، والأداة التي تدخل البيانات بدلًا منه لا تلغي وظيفته، بل تغير شكلها.
وهنا تكمن العبارة التي يكررها كثير من المختصين: الذكاء الاصطناعي لن يستبدلك، لكن شخصًا يستخدم الذكاء الاصطناعي قد يستبدلك. فالموظف الذي يتقن هذه الأدوات وينجز في يوم ما ينجزه زميله في ثلاثة أيام، سيكون الخيار المفضل عند التوظيف والترقية وإعادة الهيكلة. وفي المقابل، فإن الوظائف التي تتكون في معظمها من مهام روتينية متكررة معرضة فعلًا للتقلص أو التحول الكبير، وتجاهل هذه الحقيقة ليس خيارًا آمنًا.
وقد قدر صندوق النقد الدولي في تحليل نشره في يناير 2024 أن قرابة 40% من الوظائف حول العالم معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي بدرجة ما، وأن النسبة تقترب من 60% في الاقتصادات المتقدمة، مع التأكيد على أن التعرض لا يعني الاستبدال، فنحو نصف هذه الوظائف قد يستفيد من الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية، بينما قد يتأثر النصف الآخر سلبًا.
ما الذي تقوله الأرقام؟
من أكثر المصادر المعتمدة في هذا الموضوع تقرير مستقبل الوظائف الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي بناءً على استطلاع آراء أصحاب العمل في عشرات الدول. وقد توقع تقرير 2025 أن تشهد الفترة حتى عام 2030 استحداث نحو 170 مليون وظيفة جديدة على مستوى العالم، مقابل اختفاء نحو 92 مليون وظيفة، أي بصافي زيادة يقارب 78 مليون وظيفة، مع الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية من أبرز محركات هذا التحول، إلى جانب عوامل أخرى مثل التحول الأخضر والتغيرات السكانية والاقتصادية.
لكن الرقم الأهم في التقرير بالنسبة لك ليس عدد الوظائف، بل المهارات، فقد توقع أصحاب العمل أن يتغير نحو 39% من المهارات الأساسية المطلوبة في الوظائف بحلول 2030. وتصدر التفكير التحليلي قائمة المهارات الأساسية التي يطلبها أصحاب العمل، بينما جاءت مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في مقدمة المهارات الأسرع نموًا في الطلب، تليها مهارات الشبكات والأمن السيبراني والثقافة التقنية، إلى جانب مهارات إنسانية مثل التفكير الإبداعي والمرونة والقدرة على التعلم المستمر.
وما تعنيه هذه الأرقام أن سوق العمل لن ينكمش بالضرورة، لكنه سيتغير بسرعة، وأن الخطر الحقيقي ليس اختفاء الوظائف بشكل عام، بل أن تجد نفسك بمهارات لم يعد السوق يطلبها، في حين تذهب الوظائف الجديدة إلى من استعد لها.
اختبر وظيفتك بنفسك في عشر دقائق
بدلًا من القلق العام، يمكنك أن تقيّم وضع وظيفتك تحديدًا بتمرين بسيط، فاكتب قائمة بكل المهام التي تقوم بها في أسبوع عمل عادي، وقدّر نسبة الوقت الذي تستهلكه كل مهمة، ثم صنف كل مهمة وفق المعايير التالية:
مهام معرضة للأتمتة بدرجة عالية: وهي المهام الروتينية المتكررة التي تتبع قواعد واضحة، مثل إدخال البيانات ونقلها بين الأنظمة، وكتابة التقارير الدورية بقالب ثابت، والرد على الاستفسارات المتكررة، وتلخيص المستندات، والترجمة العادية. فإذا كانت هذه المهام تشكل أغلب وقتك، فوظيفتك في منطقة التحول الكبير وتحتاج إلى خطة عاجلة.
مهام يعززها الذكاء الاصطناعي: وهي المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يسرعها أو يحسنها، لكنها تحتاج إلى حكم بشري في النهاية، مثل التحليل واتخاذ القرار بناءً على البيانات، والكتابة الإبداعية والاستراتيجية، والتخطيط وحل المشكلات المعقدة. وهذه المهام هي فرصتك، لأن إتقان الأدوات فيها يضاعف إنتاجيتك وقيمتك.
مهام إنسانية بطبيعتها: وهي المهام التي تعتمد على العلاقات والثقة والحضور الجسدي والحكم الأخلاقي، مثل التفاوض وبناء العلاقات مع العملاء، وقيادة الفرق وتحفيزها، والتعامل مع المواقف الإنسانية الحساسة، والعمل اليدوي الماهر في بيئات متغيرة. وهذه المهام هي الأكثر حماية، وتستحق أن تستثمر في تطويرها.
وبعد أن تكمل التصنيف، ستعرف بوضوح نسبة وقتك المعرضة للأتمتة، وأين يجب أن تركز جهدك في التطوير.
الوظائف الأكثر عرضة والأكثر نموًا
بناءً على التقارير الدولية واتجاهات السوق، هناك أنماط واضحة في الوظائف التي يتوقع أن تتقلص وتلك التي يتوقع أن تنمو، مع التذكير بأن هذه توقعات عامة قد تختلف من بلد إلى آخر ومن قطاع إلى آخر.
فمن أبرز الوظائف التي توقع أصحاب العمل في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتراجع، الوظائف الكتابية والإدارية الروتينية مثل موظفي إدخال البيانات، والسكرتارية الإدارية التقليدية، وصرافي البنوك، وأمناء الصناديق، وبعض وظائف المحاسبة ومسك الدفاتر الروتينية، لأنها تعتمد بشكل كبير على مهام يمكن أتمتتها. ولا يعني ذلك أن كل من يعمل في هذه الوظائف سيفقد عمله غدًا، بل أن أعدادها المطلوبة ستقل، وأن من يبقى فيها سيحتاج إلى مهارات إضافية.
أما الوظائف المتوقع نموها، فتشمل المتخصصين في البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، ومطوري البرمجيات والتطبيقات، ومتخصصي الأمن السيبراني، ومتخصصي التقنية المالية، إلى جانب وظائف لا ترتبط بالتقنية مباشرة لكن الطلب عليها يزداد، مثل وظائف الرعاية الصحية والتعليم والطاقة المتجددة وبعض الوظائف الميدانية. والملاحظ أن الوظائف الجديدة لا تقتصر على المبرمجين، بل تشمل أي شخص يجمع بين خبرة في مجاله وقدرة على استخدام الأدوات الحديثة فيه.
خطة النجاة: التسعون يومًا القادمة
القلق وحده لا يحميك، والخطة العملية الصغيرة التي تبدأ بها اليوم أنفع من الخطة الكبيرة التي تؤجلها. وهذه خطة لتسعين يومًا يمكنك أن تبدأ بها مهما كانت وظيفتك:
الشهر الأول: أتقن أداة واحدة في عملك: اختر أداة ذكاء اصطناعي عامة، واستخدمها يوميًا في مهام عملك الحقيقية المسموح بها وفق سياسة جهة عملك، مثل كتابة الرسائل وتلخيص المستندات وتحليل البيانات وإعداد العروض. والهدف أن تكتشف بنفسك أين توفر عليك الوقت، وأن يصبح استخدامها عادة لا تجربة.
الشهر الثاني: أعد تصميم طريقة عملك: بعد أن تعرف قدرات الأداة، راجع قائمة مهامك من التمرين السابق، وحدد المهام الروتينية التي يمكنك اختصارها، ووجه الوقت الذي توفره إلى المهام ذات القيمة الأعلى، مثل التحليل وحل المشكلات والعلاقات. ووثق ما وفرته وما أنجزته به، لأن هذا التوثيق سيفيدك في تقييم أدائك وفي سيرتك الذاتية.
الشهر الثالث: ابنِ مهارة محمية واظهر للآخرين: اختر مهارة واحدة من المهارات التي يزداد عليها الطلب وترتبط بمجالك، مثل تحليل البيانات أو إدارة المشاريع أو مهارة تقنية متخصصة، وابدأ في تعلمها بدورة معتمدة. وشارك ما تعلمته مع فريقك، فالموظف الذي يساعد زملاءه على استخدام الأدوات الجديدة يصبح مرجعًا في فريقه، وهذا من أقوى أشكال الحماية المهنية.
بعد التسعين يومًا: اجعل التعلم عادة مستمرة: التغيير في هذا المجال لن يتوقف، والمهارة التي تتعلمها اليوم قد تحتاج إلى تحديث بعد عام. فخصص وقتًا ثابتًا كل أسبوع، ولو ساعة واحدة، لمتابعة التطورات في مجالك وتجربة أدوات جديدة، وراجع خطتك كل ستة أشهر.
السوق السعودي: فرص خاصة في مرحلة التحول
يتميز السوق السعودي بأنه يمر بمرحلة تحول اقتصادي كبرى ضمن رؤية 2030، والذكاء الاصطناعي جزء معلن من هذا التحول، فقد أنشأت المملكة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لتقود هذا الملف وطنيًا، وأعلن صندوق الاستثمارات العامة عن شركة هيوماين المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، وتتوسع الجهات الحكومية والشركات الكبرى في التحول الرقمي وتبني حلول الذكاء الاصطناعي في خدماتها.
وما يعنيه ذلك للباحث عن عمل والموظف السعودي أن الطلب على المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي في السوق المحلي يتجه إلى الزيادة، وأن هناك فرصًا تدريبية متاحة من جهات حكومية وشبه حكومية، مثل المنصات التدريبية التابعة لصندوق تنمية الموارد البشرية وبرامج الجهات المعنية بالتقنية والبيانات، وكثير منها مجاني أو مدعوم. فتابع هذه البرامج من مصادرها الرسمية، وتحقق من شروطها ومواعيدها، لأنها فرصة لاكتساب مهارات مطلوبة دون تكلفة كبيرة.
وتذكر كذلك أن التحول الذي يمر به السوق لا يقتصر على الوظائف التقنية، فقطاعات مثل السياحة والترفيه والصناعة والخدمات اللوجستية تنمو بقوة، وتحتاج إلى موظفين يجمعون بين خبرة القطاع ومهارة استخدام التقنيات الحديثة فيه.
الأسئلة الشائعة
هل يجب أن أتعلم البرمجة لأحمي وظيفتي؟
ليس بالضرورة، فأغلب الموظفين لا يحتاجون إلى البرمجة، بل إلى إتقان استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالهم، والمهارات التحليلية والإنسانية. أما إذا كنت تفكر في التحول إلى مجال تقني، فالبرمجة وتحليل البيانات من المسارات المطلوبة.
هل الوظائف الحكومية في مأمن من الذكاء الاصطناعي؟
الوظائف الحكومية تتأثر أيضًا بالتحول الرقمي، فالجهات الحكومية في المملكة تتوسع في الخدمات الإلكترونية والأتمتة. وقد يكون التغيير فيها أبطأ وأكثر تدرجًا، لكن المهارات الرقمية أصبحت مطلوبة فيها كما في القطاع الخاص.
هل أغير تخصصي الجامعي بسبب الذكاء الاصطناعي؟
لا تتخذ قرارًا كبيرًا كهذا بناءً على الخوف وحده، فأغلب التخصصات ستبقى مطلوبة لكنها ستتغير، والأهم أن تجمع إلى تخصصك مهارات رقمية وتحليلية. واستشر المرشد الأكاديمي، واطلع على تقارير سوق العمل المحلية قبل أي قرار.
ما أول خطوة أفعلها اليوم؟
أنشئ حسابًا مجانيًا في أداة ذكاء اصطناعي، واستخدمها اليوم في مهمة حقيقية واحدة من مهام عملك أو دراستك. فالخطوة الأولى الصغيرة أنفع من قراءة عشرات المقالات عن مستقبل الوظائف.
0 تعليقات